الغزالي

48

الرد الجميل لإلهية عيسى بصريح الإنجيل

كثرة من الرعاع ، فإذا أرادهم مثل هذا الفعل الذي هو من نتائج الأعمال الصالحة ، رغّبهم في الاستكثار من أسبابه ، وحقّر في نفوسهم مصائب الدنيا وآلامها . وليبيّن بذلك أن امتحان الأنبياء بالجوع والآلام ليس من قبيل الهوان بهم ، ولا بمراتبهم ، بل من قبيل الامتحان والابتلاء ، فمن صبر شاكرا / راضيا ، قدر على الإتيان بمثل ذلك . ويدل على صحة هذا التأويل ، قوله لبطرس « 1 » في بقيّة هذا النص . وقال قال له : « يا معلم ! هذه التينة التي لعنتها قد يبست . إن كان لكم إيمان باللّه الحق ، أقول لكم : إن من قال لهذا الجبل انتقل واسقط في البحر ، ولا يشك في قلبه ، بل يصدّق أن الذي يقوله يكون فيكون له » « 2 » . كل ذلك دليل على أن يبسها إنما كان من باب كرامات الأنبياء ، لأنه قد ثبت لهم بالولاية ؛ نقل الجبل وسقوطه في البحر ، وذلك أبلغ من يبسها . وقد أتى بمثل ذلك أيضا / في الإنجيل مصرّحا به ، فقال : « الحق أقول لكم ؛ إن من يحفظ وصاياي ، يعمل الأعمال التي أعمل وأفضل منها يصنع » « 3 » . ويؤكد ذلك تصريح الإنجيل في هذا النص ، بالجوع وتصريحه بطلب الثمرة فيها . وهذا أيضا يبطل قول من يقول : إنما فعل ذلك إعلاما لهم أنه قادر على إماتة الأحياء ، لأنه يلزم أن يكون واضع هذا النص في الإنجيل كاذبا في قوله : « فجاع » ، وفي قوله : « فجاء ليطلب فيها ثمرة » ، جعل ذلك علة مجيئه إليها . وهل يكون ما ذهبوا [ إليه إلا كقول القائل : جعت ، فنظرت شجرة فجئت ] « 4 » إليها لأطلب فيها ثمرة فلم أجد شيئا فدعوت / عليها بالجفاف ، ليستدلّ بذلك على أني إله قادر على إماتة الأحياء . هذا « 5 » من جنس كلام المغفلين . تعالى اللّه عن ذلك .

--> ( 1 ) هو أحد تلاميذ المسيح . ( 2 ) انظر : إنجيل مرقس - الإصحاح الحادي عشر - ( 21 - 23 ) . ( 3 ) انظر : إنجيل يوحنا - الإصحاح الرابع عشر - ( 12 ) . ( 4 ) ما بين المعقوفتين مثبت في هامش المخطوط . ( 5 ) في المطبوع : [ وهذا ] .